الاشتراك في النشرة الإخبارية

Custom Search 2

أنت هنا

اتفاق الطائف والقضايا النسوية

عزّه شرارة بيضون 28-10-2014

المصدر: صحيفة النهار
العدد: السنة 81 - العدد 25519
صفحة: قضايا - مقالات

عقد "المركز المدني للمبادرة الوطنية" مؤتمرا* احتفل فيه بمرور 25 سنة على إصدار "وثيقة الطائف"؛ وإليه دعيت أطراف معنيّه، دولية ولبنانية. ومن هؤلاء المعنيين، دعيت المنظمات اللبنانية المدنية والحزبية لتدلي برأيها حول تساؤلات تناولت "الاتفاق".

توجّه المركز المدني للمبادرة الوطنية إلى عضوات "تجمع الباحثات اللبنانيات" بأسئلة ذات صلة بالوضع النسائي. في ما يلي إجاباتي الشخصية** عن الأسئلة المطروحة:
هل شكّل اتفاق الطائف او تطبيقه الدستوري فرقاً ما بالنسبة إلى وضع المرأة اللبنانية قانوناً؟
باستثناء انشغال الـ"وثيقة..." والدستور بمجموعات الطوائف والأديان، فهما لا يفصّلان المجموعات التي ينضوي في إطارها "المواطنون". فلا نجد ، على وجه التحديد، "تمييزاً" بين النساء والرجال؛ الأمر الذي يفترض بأن الفئتَين ، وفق الوثيقة والدستور، لا تتميز الواحدة منهما بخصوصيات تستدعي إبرازها على منوال إبراز أهل الديانتين الكبريين، مثلاً. وهو أمر يشير إلى واقعة معروفة: الصوت النسائي كان خلال الحروب اللبنانية التي امتدت على خمس عشرة سنة ساكتاً تماماً؛ وذلك أسوة بأصوات معظم الفئات المجتمعية. هكذا لم تتمثّل النساء في اجتماعات الطائف ولم نجد في سردية "الوثيقة" الصادرة عنها مفردات نسائية صريحة.
لكن الإجابة عن السؤال أعلاه تبقى بـ"نعم". فالمنظمات النسوية تطالب بتعديل الدستور الذي عدّل استناداً إلى "اتفاق الطائف" من أجل تحديد "المساواة الجندرية" من بين أنماط المساواة بين المواطنين التي ينبغي إحقاقها- وفق ما جاء في ذلك "الاتفاق". لكن هذه المنظمات تعمل، في الوقت نفسه، على إسباغ معانٍ وتضمينات على مواد في الوثيقة والدستور يمكن الإحالة إليها من أجل حفظ مصالح النساء. هذه المواد هي تحديداً ما يلي:
أ- الجملة الواردة في الفقرة (ب) من المبدأ العام (1) من وثيقة الوفاق الوطني اللبناني التي تؤكّد أن "... لبنان عضو مؤسس في منظمة الأمم المتدة وملتزم بمواثيقها..." وأن الدولة اللبنانية "... تجسّد هذه المبادئ (المبادئ الواردة في المواثيق المذكورة) في جميع الحقول والمجالات دون استثناء".
ب- مضافاً إليها الفقرة (ج) من المبدأ (1) نفسه وتنصّ على أن الجمهورية تقوم على "... العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل"...
هذان المبدآن شكّلا معاً اثنين من المتكّآت الأساسية في صوغ الحجج التي تقدّمت بها المنظمات النسوية، الحكومية وغير الحكومية، إلى الدولة اللبنانية رافعة مطالبها المختلفة في السنوات العشرين الماضية. وهي الحجج التي حاولت بثّها بين صفوف قاعدتها للتعبئة حول تلك المطالب متوسّلة كل الأقنية، بما فيها الإعلام. فتواتر ذكر المواثيق الدولية في خطابها لدى تفنيد حيثيات ضرورة الاستجابة لهذه المطالب (اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة- سيداو، خاصة، وليس حصراً).
إن أهمّ هذه المطالب تمثّلت بـ:
- طلب إحقاق المساواة الجندرية – بما هي من ضمن "العدالة والمساواة الاجتماعية ..."؛ وقد تمثّل ذلك في مشاريع قوانين منها قانون الجنسية، والمواد القانونية ذات الصلة بالضمانات الاجتماعية، وإبرام العقود التجارية، وفتح حساب مصرفي للأولاد، مثلاً.
- العدالة الجندرية في المجال الأسري؛ (وهذه تجلّت في مشروع قانون حماية النساء من العنف الأسري، مثلاً) وفي الأحوال الشخصية ( رفع سن الحضانة، مثلاً) بما هما مجالان من "كل المجالات دون استثناء"- كما جاء في إحدى مواد الوثيقة/ الدستور المبينة اعلاه.
- إضافة إلى ضرورة اتخاذ تدابير موقتة (الكوتا) ترمي إلى تعزيز دور النساء في سياق مقارعة الأدوار النمطية السائدة من أجل إحقاق المساواة السياسية – والكوتا النسائية من التدابير الموقتة المطلوبة من الدولة توفيرها وفق ما جاء في اتفاقية سيداو.
- وباتت إعادة تأويل المادة 9 من الدستور على الوجه السائد والتي فرضت التحفّظات عن بنود من المادة 16 من اتفاقية سيداو مطلباً على أجندة الحركة النسائية، إلخ.
أي، أنه وفي مسار التشريع للقوانين، (وهو مسار ملتوٍ ومحفوف بالعوائق الموضوعة من قبل المؤسسات الطائفية وحلفائها السياسيين)، فإن "الوثيقة" شكّلت فرقاً يتمثّل بسعي الحركة النسائية لتوظيف موادها التي أُدرجت في الدستور من أجل التأثير على المشترع وحثه على الالتزام بتضميناتها.
قانون الانتخاب: نص اتفاق الطائف على تمثيل شتى فئات الشعب واجياله. كيف تمّت قراءة هذا النص؟
تمّت قراءة النصّ على أنه دعوة النساء - المنتميات إلى فئات هُمّشت خارج الحياة السياسية ومواقع اتخاذ القرار- للمشاركة في الحياة السياسية. إضافة إلى ما ورد أعلاه (اعتماد الكوتا، والذي انقسمت حول اعتمادها تدبيراً موقتاً المنظمات النسائية)، نشطت هذه المنظمات على مستويات متعددة متوجّهة إلى النساء لحثّهن على الترشّح في الانتخابات التمثيلية العامة وقامت بتدريب فئات منهن من أجل رفع مهاراتهن في صوْغ البرامج الانتخابية وتنفيذ الحملات الانتخابية واستخدام الإعلام للوصول إلى أوسع الفئات، والقيام باللوبيينغ lobbying مع المعنيين من نواب وأحزاب ومستشارين وإعلاميين إلخ بصوغ اقتراحات/ مشاريع قوانين الانتخابات لاعتماد ما من شأنه توفير الفرص والإمكانات الآيلة إلى تشجيع النساء على الترشّح في كل الانتخابات التمثيلية. هذه الممارسات هي تنفيذ لاستراتيجيات وخطط ومشاريع تندرج في إطار مواطَنة المرأة التي افترضت النساء، استناداً إلى المادتين المذكورتين أعلاه، أن الوثيقة"/ الدستور اللبناني يكفلها لها.
هل استقلال القضاء له معنى خاص بالنسبة إلى الحركة النسوية؟
في سياق التداول حول مشروع قانون حماية المرأة من العنف الأسري الذي تقدّم به "التحالف الوطني لتشريع حماية المرأة من العنف الأسري"، وفي لحظة إقراره، لعب المشترع اللبناني دوراً غير ودود للمرأة بسبب خضوعه لإملاءات قيادات الطوائف- الإسلامية بمذهبَيها خاصة. وقد جاء القانون بسبب ذلك مشوّهاً بعد أن طوّعت اللجنة المكلّفة من قبل رئيس المجلس ببعض مواده وفرّغت أخرى من مضمونها النسوي. لكن القضاء (أو بعض القضاة المتنوّرين) قاموا بتأويل مواد القانون لمصلحة النساء بما يضمن العدالة الجندرية، وفي خطابهم المتداول في وثائق المحاكمات التي رئسوها بعضٌ من مفردات الخطاب النسوي. وتعمل المنظمات النسائية والمدنية على توثيق الأحكام التي بدأت تتكاثر وتنشرها في الإعلام من أجل خلق دينامية مجتمعية يتعزز بموجبها خيار القضاة المتنوّرين ويوفّر لهم مظلة حامية لاستقلالهم من الضغوط السياسية الخاضعة بدورها – كما تبيّن في أكثر من مناسبة - لأهواء الطوائف وقيادات مؤسساتها ومحاكمها.
ما أثر اعتماد هذا الاتفاق مبدأ  الانسجام بين الدين والدولة على أوضاع المرأة؟
الانسجام بين الدين والدولة لا يسعه أن يكون "مطلباً" للحركة النسوية. ونحن نستشرف أن إنشاء مجلس الشيوخ المنصوص عليه في "الوثيقة"، (والمواكب لإلغاء الطائفية السياسية في الدولة اللبناية)، سينشغل بالقضايا النسائية؛ وذلك لأن هذه القضايا تمسّ جوهر النظام الطائفي الذي سيؤتمن هذا المجلس على المحافظة على أركانه. هكذا، سوف يناضل هذا المجلس للاستئثار، على الأرجح، بهذه القضايا لأنها حصنه الأخير لممارسة سلطاته على مواطني هذا البلد، نسائه ورجاله- في حيواتهم الشخصية والأسرية خاصة.

*عُقِدَ المؤتمر في الفينيسيا بين 22 و24 تشرين الأول 2014، بعنوان "مؤتمر اتفاق الطائف بعد ربع قرن على إعلانه"

**عزّه شرارة بيضون - استاذة جامعية

شارك على